الشيخ محمد رشيد رضا
333
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
غير النفي وذلك على أنواع منها هذه الآية وفي معناها قوله تعالى في تحاور موسى وهارون من سورة طه ( قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ان لا تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي ) وعدوا من هذا القبيل قوله تعالى ( 6 : 108 وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ) وقوله عز وجل ( 6 : 151 قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أن لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ) وفي كل منهما معنى النفي وتقدم تفسيرهما ومنهم من خرج هذه الآيات وأمثالها من الشواهد على جعل « لا » غير زائدة وهي طريقة شيخنا رحمه اللّه . وتقدم ما اخترناه في آيتي الانعام وأشرنا آنفا في هذه الآية إلى أن منع هنا تتضمن معنى الحمل ، والتضمين كثير في التنزيل وكلام العرب ولكن لم يجعله النحويون قياسيا ، ويستدل عليه كثيرا بالتعدية كما بيناه في تفسير ( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ ) إذ ضمن الاكل معنى الضم فعدي بالى ويب منه تعبير سورة الحجر ( ما لَكَ أن لا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ) والتقدير أي شيء عرض لك فحملك على أن لا تكون معهم ، واختار ابن جرير تضمين المنع هنا معنى الالزام والاضطرار فيكون التقدير ما ألزمك أو اضطرك إلى أن لا تسجد ومن مباحث البلاغة أن الفصل في حكاية السؤال والجواب جميعا « بقال قال » وارد على طريقة الاستئناف البياني فان من يسمع السؤال يتشوف لمعرفة الجواب وينزل منزلة من يسأل عنه فيجاب * * * قالَ فَاهْبِطْ مِنْها الهبوط الانحدار والسقوط من مكان إلى ما دونه أو من مكانة ومنزلة إلى ما دونها ، فهو حسي ومعنوي ، والفاء لترتيب هذا الجزاء على ما ذكر من الذنب قبله ، والضمير عائد إلى الجنة التي خلق اللّه فيها آدم وكانت على نشز مرتفع من الأرض ، وقد كانت اليابسة يبة العهد بالظهور في خضم الماء فخير ما يصلح منها لسكنى الانسان يفاعها وانشازها ، أو التي أسكنه إياها بعد خلقه في الأرض وهي جنة الجزاء على القول بها - يدل على ذلك ما ورد من الامر بالهبوط له ولآدم وزوجه بعد ذكر سكنى الجنة من سورتي البة وطه ، وقيل إنه يعود إلى المنزلة التي كان عليها ملحقا بملائكة الأرض الأخيار قبل أن يميز اللّه الخبيث من الطيب من جنس الجنة ( بكسر الجيم ) بالسجود لآدم فيكون نوعين ملائكة وشياطين ، كما قيل في جنة آدم إنها عبارة عن حياة النعيم الأولى للنوع التي تشبه نعيم الطفولية لافراده وتقدم شرح ذلك في تفسير آيات سورة البة فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها أي فما ينبغي لك وليس مما تعطاه من التصرف أن تتكبر في هذا المكان المعد للكرامة ،